الشيخ علي المشكيني

467

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

أنشأ حُكماً كلّياً ، ثمّ أنشأ نَسخه بعد مدّة ؛ فإن كان لذلك الحُكم ملاك ومصلحة في جعله كان نَسخه باطلًا قبيحاً ، وإن لم يكن مصلحة في جعله كان إنشائه من أصله لغواً باطلًا ، فالنسخ من الحكيم يستلزم دائماً أحد المحذورَين ، إمّا خلاف الحكمة في الجعل ، وإمّا في النسخ . وجوابه : « 1 » أنّ جعل الحكم ثم نَسخه بعد مدّةٍ يتصوّر على قسمَين : أوّلهما : أن لا تكون هناك مصلحة في جعل الحُكم أصلًا ، أو كانت في جعله موقّتاً محدوداً ، فاعتقد الجاعل وجود ملاك دائم ، فأنشأ حكماً مستمرّاً ، ثمّ ظهر له خطاؤه في اعتقاده فنَسخه ؛ أو كانت المصلحة في جعله دائماً مستمراً ، فاعتقد كونه موقّتاً ، فنَسخه بعد مدّة زعماً منه تمام أمد الحُكم ، وهذا القسم هو الذي يلزم منه لغوية الجعل تارةً والنسخ أخرى ، ولا يُتصوّر هذا في الشارع المحيط بجميع الأشياء علماً ، والعالِم بملاكات الأمور سعةً وضيقاً . ثانيهما : أن تكون المصلحة في جعل الحُكم موقّتاً محدوداً ، فقصد الجاعل إنشاء حكم كذلك ، إلّاأنّه أنشأه بكلامٍ مطلق من حيث الزمان ظاهرٍ في الاستمرار والدوام ؛ إمّا لوجود مانع عن التقييد إثباتاً ، أو لِمصلحة في تأخير بيان الأمد ؛ إذ لا يجب عقلًا بيان أمد كلّ حكم عند جعله وتشريعه ، فالحُكم في الفرض موقّت ثبوتاً ظاهر في الدوام إثباتاً ، فيكون نَسخه دفعاً ثبوتياً ورفعاً إثباتياً ؛ وهذا القسم لا يقبح مِن الحكيم تعالى ؛ بل قد يحسن ويجب ، وما يدّعى وقوعه في الشريعة من هذا القسم فلا محذور . الثاني « 2 » : لا إشكال في وقوع النَّسخ بالنسبة إلى أصل شريعة ودين ، فكلّما كانت تحدث شريعة في الأزمنة السابقة كانت تنسخ الشريعة التي قبلها ؛ بمعنى رفع عدّة من أحكامها لا رفع جميعها ، ولذا قيل : إنّ النَّسخ رفع المجموع ، لا رفع الجميع . « 3 » وأمّا نَسخ بعض الأحكام في شريعة مع بقاء أصلها ، فقد ادُّعي وقوعه في شرعنا « 4 » ،

--> ( 1 ) . معارج الأصول ، ص 163 . ( 2 ) . التنبيه الثاني ( ط 2 ) . ( 3 ) . فوائد الأصول ، ج 4 ، ص 479 . ( 4 ) . الذريعة ، ج 1 ، ص 417 ؛ المحصول ، ج 3 ، ص 307 .